أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
75
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ومنه : العبد لذلته وبعير معبد : أي مذلل بالقطران . وقيل : العبادة التجرد . ويقال : عبدت اللّه بالتخفيف فقط وعبدت الرجل بالتشديد فقط : أي : ذللته أو اتخذته عبدا . وفي قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ التفات من الغيبة إلى الخطاب إذ لو جرى الكلام على أصله لقيل : الحمد للّه ، ثم قيل : إياه نعبد ، والالتفات : نوع من البلاغة . ومن الالتفات - إلا أنه عكس هذا - قوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ولم يقل : بكم . وقد التفت امرؤ القيس ثلاثة التفاتات في قوله : 64 - تطاول ليلك بالأثمد * وبات الخليّ ولم ترقد « 1 » وبات وباتت له ليلة * كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني * وخيّرته عن أبي الأسود وقد خطأ بعضهم الزمخشري في جعله هذا ثلاثة التفاتات وقال : بل هما التفاتان : أحدهما : خروج من الخطاب المفتتح به في قوله : « ليلك » إلى الغيبة في قوله : « وباتت له ليلة » . والثاني : الخروج من هذه الغيبة إلى التكلم في قوله : « من نبأ جاءني وخبرته » . والجواب أن قوله أولا : « تطاول ليلك » فيه التفات لأنه كان أصل الكلام أن يقول : تطاول ليلي ، لأنه هو المقصود فالتفت من مقام التكلم إلى مقام الخطاب ، ثم من الخطاب إلى الغيبة ، ثم من الغيبة إلى التكلم الذي هو الأصل . وقرئ شاذا : « إياك نعبد » « 2 » على بنائه للمفعول الغائب ، ووجهها على إشكالها : أن فيها استعارة والتفاتا أما الاستعارة فإنه استعير فيها ضمير النصب لضمير الرفع والأصل : أن تعبد وهو شائع كقولهم : عساك وعساه وعساني في أحد الأقوال وقول الآخر : 65 - يا بن الزّبير طالما عصيكا * وطالما عنّيتنا إليكا « 3 » فالكاف في « عصيكا » نائبة عن التاء ، والأصل : عصيت . وأما الالتفات فكان من حق هذا القارئ أن يقرأ : إياك تعبد بالخطاب ، ولكنه التفت من الخطاب في « إياك » إلى الغيبة في « يعبد » إلا أن هذا التفات غريب لكونه في جملة واحدة بخلاف الالتفات المتقدم ونظير هذا الالتفات قوله : 66 - أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة * سمعنا به والأرحبيّ المغلّب « 4 » فقال : « به » بعد قوله : « أنت وكنت » .
--> - سرعة السير . والوضيف من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه . وعنى بالوضيف هنا الخف . ( 1 ) انظر ديوانه ( 53 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 179 ) ، الكشاف ( 1 / 14 ) ، واختلف في هذا الشعر بين الرواة فرواه الأصمعي وأبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة وابن الأعرابي والطوسي لامرئ القيس بن حجر الكندي ، ورواه ابن دريد لامرئ القيس ابن عابس الكندي الصحابي وقال ابن الكلبي : هو لعمرو بن معد يكرب قاله في قتاله بني مازن بأخيه عبد اللّه ، وإخراجهم عن بلادهم ، ثم رجوعهم بعد ذلك ، وندم عمرو على قتالهم . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 23 ) . ( 3 ) البيت لرجل من حمير . انظر اللسان ( تا ) ، وشواهد الشافية ( 425 ) ، الأشموني ( 1 / 267 ) ، الخزانة ( 2 / 257 ) ، المخصص ( 17 / 144 ) . ( 4 ) لم أهتد إلى قائله . انظر رصف المباني ( 26 ) ، المقرب ( 1 / 63 ) ، الهمع ( 1 / 87 ) ، الدرر ( 1 / 64 ) ، والشاهد فيه : قوله الذي كنت ولو حمل على اللفظ لقال الذي كان .